رسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الإثبات: كيف تحفظ الدليل الرقمي؟
صار كثير من التعاملات التجارية والعمالية والمدنية يجري في رسائل واتساب والبريد الإلكتروني: عرض سعر، وقبول، وتعديل كمية، وإقرار باستلام، واعتذار عن تأخير. وحين يقع الخلاف يفتح أحد الطرفين هاتفه ويقول: «عندي كل شيء في المحادثة».
المشكلة أن ما في الهاتف ليس دائمًا ما يصلح دليلًا. ونظام الإثبات هو المرجع في وسائل الإثبات وحجيتها، وقد جعل للإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة، فالمسألة ليست في قبول الوسيلة من حيث الأصل بل في حال الدليل الذي بيدك. وهذا المقال يبيّن كيف يُحفظ الدليل الرقمي بصورة تصمد أمام الاعتراض.
ما الذي يجعل الدليل الرقمي مقبولًا؟
ونظام الإثبات يعدّ دليلًا رقميًا كل دليل مستمد من بيانات تنشأ أو تصدر أو تُسلَّم أو تُحفظ أو تُبلَّغ بوسيلة رقمية وتكون قابلة للاسترجاع بصورة يمكن فهمها، ويشمل ذلك صراحة المراسلات الرقمية ومنها البريد الرقمي ووسائل الاتصال والوسائط الرقمية. فالمحادثة والبريد داخلان في النطاق بالنص لا بالقياس.
وتختلف الحجية بحسب نوع الدليل: فالدليل الرقمي غير الرسمي حجة على أطراف التعامل — ما لم يثبت خلاف ذلك — إذا كان صادرًا وفقًا لنظام التعاملات الإلكترونية أو نظام التجارة الإلكترونية، أو مستفادًا من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد محل النزاع، أو مستفادًا من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم. وعبء إثبات عدم الصحة في هذه الحالات يقع على من يدّعيه. وفيما عدا ذلك يكون للدليل الرقمي حجية المحرَّر العادي.
وفي هذا بند عملي يستحق أن يُكتب في العقود: النص على قناة المراسلة المعتمدة — رقم بعينه أو بريد بعينه — ينقل المحادثة من دليل عادي إلى دليل حجة على الأطراف ما لم يُثبت خلافه.
أي دليل رقمي يُناقَش عادة من ثلاث زوايا، ومن يحضّر ملفه يحسن أن يسأل نفسه عنها قبل الخصم:
- النسبة: هل يمكن إسناد الرسالة إلى صاحبها فعلًا؟ الرقم المسجل باسمه، أو بريد نطاق المنشأة، أو توقيع في نهاية الرسالة، أو إقرار لاحق بمحتواها.
- السلامة: هل المحتوى كما صدر بلا تعديل؟ وهذا يتصل بطريقة الحفظ والتصدير لا بمحتوى الرسالة.
- الاكتمال: هل السياق كامل؟ المقتطع يضعف صاحبه، لأن الطرف الآخر سيقدّم ما قبله وما بعده.
الفرق بين اللقطة والأصل
لقطة الشاشة أيسر وسيلة وأضعفها. هي صورة لما ظهر على جهاز في لحظة، يسهل اقتطاعها، ولا تحمل بذاتها بيانات المصدر.
أما التصدير من التطبيق نفسه فيحفظ المحادثة بترتيبها وتواريخها ومرفقاتها. وفي البريد الإلكتروني، حفظ الرسالة بصيغتها الأصلية مع ترويستها الكاملة أقوى من طباعة نصها، لأن الترويسة تحمل مسار الرسالة وبياناتها الفنية.
ونظام الإثبات يوجب تقديم الدليل الرقمي بهيئته الأصلية أو بأي وسيلة رقمية أخرى، وللمحكمة أن تطلب تقديم محتواه مكتوبًا متى سمحت طبيعته. ويجعل للمستخرجات من الدليل الرقمي حجية الدليل نفسه بالقدر الذي تكون فيه مطابقة لسجلها الرقمي. ومن امتنع عن تقديم ما طلبته المحكمة للتحقق من صحة الدليل بغير عذر مقبول سقط حقه في التمسك به أو عُدّ حجة عليه بحسب الأحوال.
وهذا لا يعني أن اللقطة بلا قيمة؛ قد تكون كافية حين لا يُنازَع في محتواها. لكن من يبني ملفه على لقطات وحدها في مواجهة طرف ينكر، يضع نفسه في موضع ضعف كان يمكن تفاديه بخطوة بسيطة.
مثال افتراضي: طرفان اتفقا على تخفيض سعر في محادثة. قدّم أحدهما لقطة للرسالة التي فيها التخفيض. قدّم الآخر تصديرًا كاملًا للمحادثة يُظهر أن التخفيض كان مشروطًا بسداد خلال أسبوع لم يتم. اللقطة هنا لم تكذب، لكنها اجتزأت، وأضرّت بمن قدّمها.
كيف يُحفظ الدليل عمليًا؟
- صدّر المحادثة كاملة من التطبيق مع المرفقات، لا مقطعًا منها، واحفظ الملف بتاريخ التصدير.
- احتفظ بالأصل على الجهاز ولا تحذف المحادثة بعد التصدير؛ فالتصدير نسخة والأصل أقوى.
- لا تغيّر الجهاز أو الرقم قبل حفظ نسخة موثوقة؛ كثير من الأدلة تضيع في نقل الهاتف.
- في البريد: احفظ الرسالة بصيغتها الأصلية، ولا تكتفِ بنسخ النص إلى مستند.
- احفظ المرفقات منفصلة بأسمائها الأصلية، فالملف المرفق قد يكون أهم من الرسالة نفسها.
- سجّل بيانات السياق: من الطرف الآخر، وما صفته، وبأي رقم أو بريد، ومتى بدأ التعامل.
نسبة المحادثة إلى صاحبها
هذه أكثر نقطة يُنازَع فيها. والطرق العملية لتقويتها:
ربط الرقم بالشخص أو المنشأة: الرقم المدوّن في العقد، أو في الفاتورة، أو في التوقيع الإلكتروني، أو في بطاقة التعريف، أو في مراسلات سابقة لم يُنكرها.
الإقرار اللاحق: إذا أشار الطرف الآخر في رسالة أو خطاب رسمي إلى ما دار في المحادثة، فقد نسبها إلى نفسه بفعله.
الاتساق مع التنفيذ: إذا كانت المحادثة تتضمن اتفاقًا نُفِّذ فعلًا — تحويل مبلغ، أو شحنة أُرسلت — فالتنفيذ نفسه قرينة على صحة ما ورد فيها.
بريد النطاق: رسالة من بريد باسم نطاق المنشأة أقوى في النسبة من بريد شخصي مجاني.
ما الذي يضعف الدليل الرقمي؟
- تقديم صور معدّلة الأبعاد أو مقصوصة الحواف بلا سبب.
- اختفاء رسائل من التسلسل بين تاريخين بلا تفسير.
- الاعتماد على محادثة مجموعة فيها أطراف لا صفة لهم في التعامل.
- الاستشهاد برسالة صوتية بلا تفريغ ولا حفظ للملف الأصلي.
- إرسال المحادثة عبر وسيط أعاد ضغطها فغيّر بياناتها.
خصوصية الأطراف
الدليل الرقمي يحمل عادة أكثر مما يحتاجه الملف: أرقام أشخاص لا علاقة لهم، وصور، ومسائل شخصية. وتقديم ما لا يخدم الطلب ليس زيادة محايدة؛ فيه مساس بخصوصية الغير، وقد يفتح على صاحبه مساءلة من جهة أخرى.
القاعدة: يُقدَّم ما يتصل بمحل النزاع. وإذا لزم تقديم محادثة كاملة لبيان السياق، فيُنبَّه إلى ما لا صلة له، ويُقتصر في الاستدلال على موضعه.
كما أن تسجيل المكالمات ونشر المحادثات لهما ضوابطهما. فنظام مكافحة جرائم المعلوماتية يعاقب على التنصت على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي — دون مسوغ نظامي صحيح — أو التقاطه أو اعتراضه، كما يعاقب على المساس بالحياة الخاصة عن طريق إساءة استخدام الهواتف النقالة المزودة بالكاميرا أو ما في حكمها، وعلى التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات.
وفي باب البيانات الشخصية: نظام حماية البيانات الشخصية يستثني من نطاق تطبيقه قيام الفرد بمعالجة البيانات الشخصية لأغراض لا تتجاوز الاستخدام الشخصي أو العائلي، ولكنه قيّد ذلك بقيد حاسم: «ما دام أنه لم ينشرها أو يفصح عنها للغير». فالاستثناء يسقط بالنشر أو الإفصاح. وبهذا لا يُعامَل الأمر على أن كل ما في جهاز الشخص يجوز له نشره أو تقديمه كيفما شاء.
الاعتراض على دليل الخصم
الوجه الآخر للمسألة: ماذا لو قدّم الخصم محادثة تضرّك؟
تُراجع من الزوايا الثلاث نفسها: هل تُنسب إليك فعلًا؟ وهل هي كاملة أم مقتطعة؟ وهل وردت بصيغتها الأصلية أم بصورة قد تكون عُدّلت؟ ثم يُنظر في محتواها: هل تحمل المعنى الذي بني عليه الخصم، أم أنها تحتمل غيره بقراءة السياق؟
وكثيرًا ما يكون أقوى رد على محادثة مقتطعة هو تقديم المحادثة كاملة، لا إنكارها.
المحادثة بوصفها عقدًا
سؤال يتكرر: هل يصح أن ينعقد الاتفاق في محادثة واتساب؟ الجواب العملي أن العبرة بتوافر أركان الاتفاق ووضوحه، لا بالوسيلة وحدها. فإذا تضمنت المحادثة إيجابًا محددًا وقبولًا صريحًا من ذي صفة، ثم جرى التنفيذ على مقتضاها، فهي تعامل قائم يُحتجّ به، وإن لم يوقّع الطرفان ورقة.
لكن المحادثات بطبيعتها متقطعة ومتداخلة، ولذلك يكثر فيها الغموض: كمية ذُكرت ثم عُدّلت، أو سعر ذُكر بلا بيان أنه شامل أو غير شامل، أو موافقة جاءت بكلمة واحدة تحتمل أكثر من معنى. وهذا الغموض يُحسم بما جرى عليه التنفيذ فعلًا وبالمراسلات اللاحقة.
ومن الممارسات النافعة أن يُتبع الاتفاق الذي تم في محادثة برسالة تلخيصية: «تأكيدًا لما اتفقنا عليه اليوم: الكمية كذا، والسعر كذا شامل كذا، والتسليم بتاريخ كذا». فإن لم يعترض الطرف الآخر، صار في الملف مستند واضح بدل محادثة تحتاج تفسيرًا.
ما الذي يُطلب من الموظف قبل أن يغادر؟
في المنشآت، كثير من الأدلة الرقمية تكون في عهدة موظف: بريده، وهاتفه الوظيفي، ومحادثاته مع المورّدين والعملاء. وحين يغادر، تغادر معه.
ولذلك يحسن أن يكون في المنشأة إجراء ثابت: تحويل بريد الموظف المغادر إلى صندوق بديل، وتصدير المحادثات المتعلقة بالعمل من الأجهزة الوظيفية، وتسليم ما لديه من مستندات. وهذا إجراء تنظيمي وقائي، وكلفته لا تُقارن بكلفة فقد دليل في نزاع لاحق.
متى يحتاج الأمر إلى خبرة فنية؟
في بعض الملفات لا يكفي تقديم المحادثة، بل يُنازَع في سلامة الملف نفسه: هل عُدِّل؟ وهل التاريخ الظاهر هو التاريخ الحقيقي؟ وفي مثل هذه الحالات قد يُستعان بخبرة فنية تفحص الملف وبياناته.
وهذا يفترض أمرًا واحدًا: أن يكون الأصل محفوظًا. فالخبرة تفحص الأصل أو نسخة سليمة منه، ولا تستطيع أن تقول شيئًا ذا قيمة عن صورة أُعيد تصويرها ونُقلت بين عدة أجهزة. وهذا سبب إضافي لحفظ الأصل مبكرًا.
الخلاصة
الدليل الرقمي ليس حجة قاطعة بذاته، وليس بلا قيمة. قوته تأتي من ثلاثة: نسبة واضحة، وحفظ سليم، وسياق كامل. وأغلب ما يُفقد من هذه الأدلة لا يُفقد في الجلسة، بل قبلها بأشهر: عند تغيير جهاز، أو حذف محادثة، أو الاكتفاء بلقطة شاشة.
والخطوة العملية الأهم بسيطة: احفظ الأصل كاملًا عند أول بادرة خلاف، لا عند قرار التقاضي.
أسئلة حول هذا الموضوع
قدم البلاغ إلى الشرطة أو عبر القنوات الرسمية للجرائم المعلوماتية. واحفظ الرسائل الأصلية وبيانات الحساب والتواريخ. ويتحدد الوصف القانوني بحسب الألفاظ والواقعة فليست كل إساءة قذفًا موجبًا للحد.
للتوسعرسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الإثبات: كيف تحفظ الدليل الرقمي؟الاستدعاء والتوقيف: ما حقوق المتهم نظامًا، وما مُدد التوقيف؟
قد تصلح بحسب طبيعة النزاع وثبوت نسبة الرسائل وسلامتها. فاحتفظ بالمحادثة الأصلية كاملة مع بياناتها وبين ما شاهده أو سمعه كل شاهد. والصورة المقتطعة وحدها قد تثير نزاعًا في السياق أو النسبة.
للتوسعرسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الإثبات: كيف تحفظ الدليل الرقمي؟
لا. التكييف يحدد العقوبة. فالدخول غير المشروع لتهديد شخص أو ابتزازه المنصوص عليه في المادة الثالثة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية عقوبته السجن مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على 500 ألف ريال أو إحداهما. وقد تنطبق نصوص أخرى بحسب الأفعال.
المصدرنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية — المادة 3 (الترجمة الرسمية لدى وزارة الاتصالات)
للتوسعرسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الإثبات: كيف تحفظ الدليل الرقمي؟الاستدعاء والتوقيف: ما حقوق المتهم نظامًا، وما مُدد التوقيف؟
نعم. فالمراسلات الرقمية ومنها البريد الإلكتروني ووسائل الاتصال من صور الدليل الرقمي. وللإثبات بالدليل الرقمي حكم الإثبات بالكتابة. وحجيته في الأصل حجية المحرر العادي. ويكون حجة على أطراف التعامل ما لم يثبت خلاف ذلك إذا استفيد من وسيلة رقمية نص عليها العقد محل النزاع أو من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم. وعلى من يدعي عدم صحته عندئذ إثبات ادعائه. ويبقى المهم ثبوت نسبة المحادثة إلى صاحبها وسلامتها من التعديل.
المصدرنظام الإثبات — المواد 54 و55 و57 و58 و59 (بوابة وزارة العدل)
للتوسعرسائل واتساب والبريد الإلكتروني في الإثبات: كيف تحفظ الدليل الرقمي؟
هذا المقال معلومات عامة للتثقيف القانوني، ولا يقوم مقام دراسة الوقائع والمستندات في حالة بعينها، ولا تنشأ بقراءته علاقة توكيل.
استشر في هذا الموضوعأو راسل الرقم مباشرة: 0558987102
واتساب